
- الوقوع في الحب, والوقوع على الرأس
الحب الذي كان حلاً لكل المشاكل - كيف صار في هذا الزمان مشكلة المشاكل? معالجة نفسية, علمية, وأدبية, مفعمة بالسخرية, لكنها تعيد حرث أرض الحب التي عزّ الوقوف عليها في بيوت الزوجية, ودروب الشباب, وملاعب الطفولة!
ربما كان أول من كتب عن الحب ودرسه دراسة اجتماعية نفسية هو الفقيه الأندلسي الكبير (ابن حزم) في كتابه (طوق الحمامة) الذي أفرده للحب فقط, كما أن تعريف ابن حزم للحب من أجمل التعريفات, ويقول فيه: إنه (اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع, والحب أوله هزل وآخره جد, دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف, فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة). الحب هو العودة إلى الذات حين كانت الأنثى جزءًا من الرجل قبل أن تنفصل عنه, يقول د. أحمد عكاشة في تعريف الحب: (الحب هو التكامل وليس التوافق بالضرورة, فقد يكون التكامل في الاختلاف الفكري والوجداني بين طرفين, والإحساس المستمر بالراحة في وجود الطرف الآخر والقدرة على التغاضي عن أخطاء الغير, والحب يحتاج إلى الرعاية مثل النبات الذي يحتاج إلى الماء والهواء والشمس, ولكي يترعرع الحب, يجب أن يوجد في مجتمع تشمله المحبة, والمناخ الحالي القائم على الماديات يخنق الحب, ويمنعه ضرورات الحياة) أهـ. الحب هو عملية صيرورة مستمرة وإثراء للذات وتنشيط لخلايا المخ, والمحبة تساعد على نمو خلايا المخ وازدياد حجمها, ومن ثم نمو القدرات العقلية المختلفة, والحب علاقة تبادلية, فكل ما يفعله طرف لآخر من حب وحنان يرتد إليه مضاعفًا إن كان الطرف الآخر يبادله المشاعر وهكذا إلى مالا نهاية, فهو يفيض بعواطفه على من يحب فتعود إليه مزدوجة مع عواطف المحبوب, ثم هكذا دواليك وهلّم جرّا, وكأنهما مرايا متقابلة. الحب مرض ينتقل بالعدوى, لكنه مرض حميد والبغض مرض ينتقل بالعدوى, لكنه مرض خبيث, ويقول أفلاطون: (الفرد ليس سوى نصف شخص يقضي العمر يبحث عن نصفه الضائع, فإذا وجده اكتمل, وإن وجد نصفًا آخر لا يشاكله ظل طوال حياته معذبًا). وفي الزواج الذي هو النتيجة النهائية للحب, يتقاسم الزوجان مشاكلهما فتقل ويتبادلان سعادتهما فتتضاعف, والاختلاف في شخصية المحبين قد يؤدي إلى تفتيت العلاقة الزوجية أو إلى صهرها في وحدة متينة, ففي المغناطيسية يتنافر القطبان المتشابهان, ويتجاذب القطبان المختلفان, لكن هل يختفي الحب بعد الزواج? نعم يختفي الحب بعد الزواج لكي يفسح المجال لما هو أقوى منه: العشرة والسكن والمودة والرحمة والحوار الدائم والأولاد الذين هم ثمرة هذا الحب ونتاجه, والكفاح والتضحية والفداء من أجل الآخر. والحب فطرة وغريزة تهذبها البيئة والثقافة, والتعبير عنه يختلف من إنسان لآخر, ذلك التعبير الذي يتم بصورة طبيعية, لكن السينما والتلفاز أوجدا الحب الصناعي, فالمراهق يحاكي نجمه المفضل, فيضحي مسخًا مشوهًا غير قادر على الاستمرار في هذا الدور للنهاية, والحب من أول نظرة حقيقة مؤكدة لأن الإدراك الكلي يسبق الإدراك الجزئي, والإدراك الكلي وظيفة الروح والنفس, والإدراك الجزئي وظيفة العقل, ولكل إنسان نظم تكونت لديه منذ الطفولة, نظم جمالية ومعرفية وعاطفية وحسية. وهذه النظم ساكنة في العقل الباطن تنتظر التنبيه من الطرف الآخر لكي يلتقط منها ما يتفق مع نظمه, بحيث يحدث التوافق والحب, أو الكره والبغضاء من أول نظرة, وهكذا فالطرف الآخر يوقظ الكامن فينا, وقد قالت الصوفية (إن الله قد خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام, فما تعارف منها ائتلف وما تناكر اختلف). وهذا لا ينطبق على الزواج, فللزواج اعتبارات أخرى اجتماعية وأسرية ومادية وقبلية وعقلية لا مجال فيها للرومانسية, والحب من النظرة الأولى.










